الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

234

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

على خلاف رغباتهم وميولهم ( ومن أجل التمويه وأيهام الناس ) يبادرون إلى خلق جو جديد ليلفتوا أنظار الناس إليه ، وليصرفوهم عن تلك الحادثة المطلوبة . ويبدو أن بناء " الصرح العظيم " حدث بعد ما جرى لموسى من مواجهته السحرة ما جرى . . لأنه يستفاد من سورة " المؤمن " أن هذا العمل " بناء البرج " تم حين كان الفراعنة يخططون لقتل موسى ( عليه السلام ) ، وكان مؤمن آل فرعون يدافع عنه . . ونعرف أنه قبل أن يواجه موسى ( عليه السلام ) السحرة لم يكن مثل هذا العمل ولا مثل هذا الحديث ، وحيث أن القرآن ا لكريم تحدث عن مواجهة موسى ( عليه السلام ) للسحرة في سورة " طه ، والأعراف ، ويونس ، والشعراء " فإنه لم يتطرق إليها هنا . وإنما تحدث هنا وفي سورة المؤمن عن بناء البرج . وعلى كل حال فقد شاع خبر انتصار موسى ( عليه السلام ) على السحرة في مصر ، وإيمان السحرة بموسى زاد في الأمر أهمية ، كما أن موقع الحكومة الفرعونية أصبح في خطر جدي شديد . واحتمال تيقظ الجماهير التي في أسر الذل كان كبيرا جدا . . فيجب صرف أفكار الناس بأية قيمة كانت ، واشغالهم بسلسلة من المشاغل الذهنية مقرونة ببذل من الجهاز الحكومي ، لإغفال الناس وتحميقهم ! وفي هذا الصدد يتحدث القرآن الكريم عن جلوس فرعون للتشاور في معالجة الموقف ، إذ نقرأ في أول آية من هذا المقطع : وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري . فأنا إلهكم في الأرض . . أما إله السماء فلا دليل على وجوده ، ولكنني سأتحقق في الأمر ولا أترك الاحتياط ، فالتفت إلى وزيره هامان وقال : فأوقد لي يا هامان على الطين ثم أصدر الأوامر ببناء برج أو قصر مرتفع جدا لأصعد عليه واستخبر عن إله موسى . فاجعل لي صرحا لعلي اطلع إلى إله موسى وإني لأظنه من الكاذبين .